جلال الدين السيوطي

178

الأشباه والنظائر في النحو

تركيب ( لا ) ، لأنّك إذا رفعت كأنّما نفيت واحدا وإذا ركّبت فإنّما نفيت الجنس أجمع . وإذا عرفت هذا فدخول ( القتال ) الأوّل تحت القتال الثاني يقوم مقام عود الضّمير إليه . ومثل هذا البيت ما أنشده سيبويه : [ الطويل ] « 680 » - ألا ليت شعري هل إلى أمّ معمر * سبيل فأمّا الصبر عنها فلا صبرا فالصبر من حيث كان معرفة داخل تحت ( صبر ) المنفيّ لشياعه بالتّنكير . ونظير هذا أنّ قولهم : « نعم الرّجل زيد » في قول من رفع زيدا بالابتداء فأراد : زيد نعم الرجل ، يدخل فيه زيد تحت ( الرّجل ) لأنّ المراد بالرّجل هاهنا الجنس فيستغني المبتدأ بدخوله تحت الخبر عن عائد إليه من الجملة ، ويوضّح لك هذا أنّ قولك : « زيد نعم الرّجل » كلام مستقلّ ، وقولك : « زيد قام الرّجل » كلام غير مستقلّ ، وإن كان قولك : ( قام الرّجل ) جملة من فعل وفاعل كما أنّ قولك : ( نعم الرّجل ) كذلك . ولم يستقم قولك : « زيد قام الرّجل » حتّى تقول : ( إليه ) ، أو ( معه ) ، أو نحو ذلك ، لكون الألف واللام فيه لتعريف العهد فالمراد به واحد بعينه . والرّجل في قولك : « زيد نعم الرّجل » بمنزلة الإنسان في قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 1 - 2 ] ، ألا ترى أنّه استثني منه الَّذِينَ آمَنُوا [ العصر : 3 ] ، والاستثناء من واحد مستحيل ، لا يصحّ إذا استثنيت واحدا من واحد ، فكيف إذا استثنيت جمعا من واحد ! ومثله : وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها [ الشورى : 48 ] ، فالمراد بالإنسان هاهنا الناس كافّة فلذلك قال : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ [ الشورى : 48 ] . وإذا كان الاسم المعرّف بالألف واللّام نحو : ( الرّجل ) و ( الإنسان ) قد استوعب الجنس فما ظنّك باسم الجنس المنكور المنفيّ في قوله : « لا قتال لديكم » وقول الآخر « 1 » : [ الطويل ] [ ألا ليت شعري هل إلى أم معمر ] * سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا والتنكير والنّفي يتناولان من العموم ما لا يتناوله التعريف والإيجاب ، ألا ترى

--> ( 680 ) - الشاهد لابن ميادة في ديوانه ( ص 134 ) ، والأغاني ( 2 / 237 ) ، والحماسة البصرية ( 2 / 111 ) ، وخزانة الأدب ( 1 / 452 ) ، والدرر ( 2 / 16 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 269 ) ، وشرح التصريح ( 1 / 165 ) ، وشرح شواهد المغني ( 2 / 876 ) ، والمقاصد النحوية ( 1 / 523 ) ، وبلا نسبة في مغني اللبيب ( 2 / 501 ) ، وهمع الهوامع ( 1 / 98 ) ، والكتاب ( 1 / 454 ) . ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 680 ) .